فإن الزوج قوام على زوجته، وواجب عليه أن يحسن معاملتها، ويطيب عشرتها، ويبذل المودة والرحمة لها، ويدخل السرور على قلبها؛ لأمر الله تعالى الأزواج بذلك، ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ ﴾ [النساء: 19] فهو القوي وهي الضعيفة، وهو الآمر وهي المأمورة، وهو الحاكم وهي الرعية، وكل راع مسئول عن رعيته، ويجب عليه السعي فيما يصلحها. فإذا نشزت زوجته عن طاعته وعظها بالكلام الطيب، فإن لم تتعظ هجرها في المضجع؛ لعلها تحس بفقده فتحن له، فإن لم ترعوِ وبقيت على نشوزها وعصيانها حلَّ له ضربها ضرب تأديب ﴿ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ﴾ [النساء: 34].
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى: هُوَ أَنْ تَنْشُزَ عَنْ زَوْجِهَا فَتَنْفِرَ عَنْهُ بِحَيْثُ لَا تُطِيعُهُ إذَا دَعَاهَا لِلْفِرَاشِ، أَوْ تَخْرُجَ مِنْ مَنْزِلِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَنَحْو ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ امْتِنَاعٌ عَمَّا يَجِبُ عَلَيْهَا مِنْ طَاعَتِهِ.
وأوصى النبي عليه الصلاة والسلام بالنساء خيرا في أعظم محفل، وأكبر جمع، كما شرع فيه ضربهن، وذلك في خطبة عرفة فقال صلى الله عليه وسلم: « اتَّقُوا اللَّهَ في النِّسَاءِ؛ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ فَإِنْ فَعَلْنَ ذلك فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غير مُبَرِّحٍ».
وضرب الناشز من النساء وإن كان مشروعا للأزواج، فإن الأفضل اجتنابه؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يفعله، وهديه أكمل الهدي، قالت عَائِشَةُ رضي الله عنه: «ما ضَرَبَ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم شيئا قَطُّ بيده ولا امْرَأَةً ولا خَادِمًا إلا أَنْ يُجَاهِدَ في سَبِيلِ اللَّهِ... » رواه مسلم
فاستفاد العلماء منه أن ضرب الزوجة وإن كان مباحا للأدب فتركه أفضل؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يفعله.
بل ورد ما ينفر عنه في حديث عبد اللَّهِ بن زَمْعَةَ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«لَا يَجْلِدُ أحدُكم امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ ثُمَّ يُجَامِعُهَا في آخِرِ الْيَوْمِ» رواه البخاري.
وضرب النساء للتأديب متردد بين المشروعية والكراهة؛ فكراهته من جهة أنه ينافي حسن العشرة، والعلاقة بين الزوجين هي أشد العلاقات البشرية وأوثقها، حتى كان كل واحد من الزوجين لباسا للآخر من شدة التصاقهما. ومشروعيته من جهة أن بعض النساء تتمرد وتتمادى في تمردها إن لم تؤدب، وقد لا تتأدب إلا بالضرب، وإلا لو تأدبت بغيره فهو أولى، ودليل تردد ضرب النساء بين الإباحة والكراهة حديث إِيَاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:«لا تَضْرِبُوا إِمَاءَ اللَّهُ، قَالَ: فَذَئِرَ النِّسَاءُ وَسَاءَتْ أَخْلاقُهُنَّ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَئِرَ النِّسَاءُ وَسَاءَتْ أَخْلاقُهُنَّ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ مُنْذُ نَهَيْتَ عَنْ ضَرْبِهِنَّ، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَاضْرِبُوهُنَّ، فَضَرَبَ النَّاسُ نِسَاءَهُمْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَأَتَى نِسَاءٌ كَثِيرٌ يَشْتَكِينَ الضَّرْبَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَصْبَحَ: لَقَدْ طَافَ بِآلِ مُحَمَّدٍ اللَّيْلَةَ سَبْعُونَ امْرَأَةً، كُلُهُنَّ يَشْتَكِينَ الضَّرْبَ، وَايْمُ اللَّهُ لا تَجِدُونَ أُولَئِكَ خِيَارَكُمْ»رواه أبو داود وابن ماجه.
قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: فجعل لهم الضرب، وجعل لهم العفو، وأخبر أن الخيار ترك الضرب.
ولو وقعت امرأته فيما يوجب الحد أو التعزير فلا يقيمه عليها؛ لأن ذلك ليس له، وإنما وظيفته التربية والتأديب، ثم إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. ولا يحل له ضربها خوفا من نشوزها، أو زرعا لهيبته في قلبها كما يوصي بعض الجهلة أبناءهم وقت زواجهم بالغلظة والشدة من أجل تعويد المرأة عليها، وكم جرّت هذا الوصايا الفاسدة من ويلات على الأزواج والزوجات؟ وكم هدمت من بيوت، وسببت من طلاق؟!
فإذا ضربها لنشوزها وجب أن لا يضربها وهو غضبان؛ لأنه حينئذ ينتقم ولا يؤدب، وربما تمادى فجار وظلم. وعليه أن يخلو بها فلا يضربها أمام والديه وأخواته؛ لأن في ذلك إهانة لها، وكسرا لنفسها، وهو تعد زائد على المأذون فيه من التأديب، وكذلك لا يضربها أمام أولادها فتُكسر قلوبهم، أو تفقد أمهم هيبتها أمامهم، أو تمتلئ قلوبهم بالحقد على أبيهم. ويكون ضربا غير مبرح كما وُصف في الحديث، وأن يتقي الوجه والمقاتل؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام «وَلاَ تَضْرِبِ الْوَجْهَ وَلاَ تُقَبّحْ» رواه أبو داود.
فإن أظهرت توبتها وطاعتها كف يده عن ضربها؛ لقول الله تعالى ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ﴾[النساء: 34].
وقد أطبق العلماء على أن آلة الضرب لا تكون مؤذية، ولا تترك أثرا، ففي شروحهم لقول النبي عليه الصلاة والسلام «فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غير مُبَرِّحٍ» قال ابن عباس: السواك وشبهه يضربها به، وقال قتادة: غير شائن، وقال الحسن: غير مؤثر، وعن الروياني قال:"يضربها بمنديل ملفوف أو بيده لا بسوط ولا عصى".
قال ابن قدامة: وعليه أن يجتنب الوجه والمواضع المَخوفة؛ لأن المقصود التأديب لا الإتلاف" فويل لغلاظ القلوب الذين إذا غضبوا هجموا على نسائهم ركلا وصفعا وضربا بأي شيء، وفي كل موضع، فلا يكف عنها حتى تترنح تحته، أو تسيل دماؤها أمامه، فتخفي عن أهلها وولدها جرائم زوجها فيها، وتختلق أعذارا لكدمات وجهها، وأثار جريمته فيها؛ سترا على زوجها، فلا يحفظ ذلك لها، ولا يزيده إلا تماديا في غيه، وإصرارا على ظلمه، والظلم ظلمات يوم القيامة، وكل ظالم سيجد عاقبة ظلمه في يوم لا ينفع فيه قوة ولا جاه ولا مال﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 40].
عنوان الموضوع: " ضرب النساء .... آخر العلاج"
إرسال تعليق